الثلاثاء، 24 مارس، 2009

يوسف السباعى فارس الرومانسية






















أذا أردنا التحدث عن يوسف السباعى، فمن المؤكد أن نتذكر على الفور مشهد رومانسى من أحدى روائعه السينمائية، والتى تجسد الرومانسية فى أرق صورها، فهو الأقدر دائما على جمع كل أحساسيك ومشاعرك وأختزالها فى روايه تشعر فى كل سطر فيها أنك أحد أبطالها، حتى وان لم تكن تعيش بالفعل تلك الروايه فى الحياة.
وكأنه يقول لك أغمض عينيك، ماذا تتمنى اليوم؟ ليحقق لك حلم قد يصعب أن تعيشه بنفس تلك الدرجه من العذوبه والجمال، فهو كتلة أحاسيس متحركه، عاش الحب قبل أن يكتبه على ورق، لدرجة أن أحتوت أغلب أعماله على مشاهد وأحداث كاملة من حياته، فاذا أردت معرفة الكثير عنه فأقرأ له رائعته "رد قلبى" فمن منا لا يعرف "أنجى وعلى" أبطال تلك الروايه الشهيرة، والتى تحولت الى فيلم يعد من كلاسيكيات السينما المصرية.
واذا تعمقنا أكثر فى حياته سنجد أنه أحب مرة واحدة، فكانت زوجته وابنة عمه "دولت السباعى" هى أول من دق لها قلبه، ليصر على الزواج منها متحديا كافة الصعاب وقت ذلك، لتجدها دائما بطله لرواياته فهى عايدة فى "أنى راحله"، ومنى فى "بين الأطلال"، فكل منهن تحمل ملمح من ملامح حبيبة قلبه ورفيقة عمره.
عاش يوسف السباعى طيلة عمره محافظا على تلك الصورة المبهرة، دون أن يفقدها ولو للحظه، فهو ذلك الفارس النبيل، دمث الخلق، حسن المظهر، وجهه غالبا يحمل تلك الأبتسامة التى تعدك دوما بحياة أروع.
ولد يوسف محمد السباعى فى 10 يونيه 1917 فى حى السيدة زينب بالقاهرة فى بيت يقدس القراءة، فصارت هوايته الأساسية على مختلف أنواعها من قصص وروايات ومقالات، فكان يوفر من مصروفه لشراء الكتب، ويرجع الفضل فى ذلك الى والده الأديب الكبير محمد السباعى، والذى أورث ابنه حب الكتابه، ليسير على نهجه بعد ذلك، ويصبح من أكبر أدبائنا، فقد كان والده مثله الأعلى فى كل شئ، ومن هنا كان لوفاته بعد ذلك أبلغ الأثر على نفس يوسف السباعى لأفتقاده ليس فقط الأب الحنون ولكن أفتقد معه أيضا الصديق والقدوة والسند الحقيقى، وذلك فى الرابعة عشر من عمره.
التحق السباعى بالكلية الحربية عام 1935، وذلك على خلاف رغبته الكامنه فى الألتحاق بكلية الأداب كما كان متوقع له لتأكيد موهبته الأدبية وأثقالها بالدراسة، وذلك لتغير ظروفه بعد وفاة والده، ووجوب مساندة والدته فى تحمل أعباء الحياة، لما تضمنه الكليه الحربية من وظيفه تنتظره بعد التخرج، وعند تخرجه عين بالفعل فى سلاح السوارى برتبة ملازم ثانى، وظل فى سلاح الفرسان حتى عام 1956.
ظهرت موهبة يوسف السباعى الأدبية فى المرحلة الثانويه ليقوم بنشر أول قصه قصيرة فى مجلة المجلة عام 1933، ولكن التحاقه فيما بعد بالكليه الحربية جعل تلك الموهبه تتراجع قليلا، وما لبثت أن ظهرت مرة أخرى بوضوح وذلك من خلال تعليق عسكرى كان ينشره فى جريدة أخر خبر، ثم تبعه ألتحاقه بجريدة مسامرات الجيب ليبدأ عالمه مع الكتابة الأدبية مرة أخرى من خلال مجموعته القصصيه" بين أبو الريش وجنينة ناميش" عام 1950، و"هذا هو الحب" عام 1951، وهمسه عابرة عام 1953، ثم أنضم الى جريدة الكتلة، وقدم من خلالها مجموعته القصصية "يا أمة ضحكت".
من أشهر أعماله التى تحولت الى أفلام، وأصبحت من كلاسيكيات السينما المصرية:
رد قلبى، أنى راحلة، نحن لا نزرع الشوك، مبكى لعشاق، بين الأطلال، السقامات، أرض النفاق، العمر لحظه، جفت الدموع، أم رتيبه.
ومن الأعمال الأخرى الروائيه: أطياف، طريق العودة، لست وحدك.
وكان للسباعى دوره المؤثر فى الحياة الأدبية، فأنشأ نادى القصة بالتعاون مع الكاتب الكبير أحسان عبد القدوس، وتم أصدار سلسلة الكتاب الذهبى، ومن أشهر أعمالها روايات ليوسف أدريس، ومصطفى محمود.
أشرف على أصدار العديد من المجلات منها الأدباء العرب، والرسالة الجديدة.
وتولى يوسف السباعى العديد من المناصب بعد تقاعده عن الخدمة العسكرية كان أهمها:
منصب سكرتير عام المحكمة العليا للفنون والسكرتير العام لمؤتمر الوحدة الأفريقية- الأسيوية عام 1959.
ومنصب رئيس تحرير مجلة أخر ساعه 1965، ورئيس مجلس ادارة دار الهلال عام 1971.
وتم تعيينه وزيرا للثقافه عام 1973، وأنتخابه نقيب الصحفيين المصريين عام 1977.
أطلق عليه الأديب العالمى نجيب محفوظ لقب "جبرتى العصر" لأن السباعى سجل بكتاباته الأدبيه أحداث الثورة منذ قيامها وصولا الى نصر أكتوبر من خلال أعماله الأدبية.
ومن الغريب أن يتحدث يوسف السباعى عن الموت المفاجئ كثيرا فى كتاباته، ولم يكن يعلم أن القدر يخبأ له سيناريو مشابه، حيث تم أغتياله فى 17 فبراير 1978 فى العاصمة القبرصية" نيقوسيا" عندما سافر الى هناك على رأس وفد مصرى لحضور مؤتمر منظمة التضامن الأفروأسيوى على يد أرهابين فلسطنيين، وبذلك تنتهى حياة خير من كتب للرومانسيه وعاشها وسمح لنا أن نعيشها معه، ليعبر بنا الى زمن كان يتحدث الناس فيه بلغة الرومانسية، فلا صوت يعلو على صوتها وقتذاك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق